الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

316

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

ومضى الرجل . فلما انقضت المدة غير يوم ، بعث إليه معن أن أحضر إلينا غدا الرجل ، فورد إليه منه ما غمه وهاله ، فاجتمع إليه إخوانه وباتوا سميرا عنده . قال ابن القهبي : وكان عمّ أبي ممن بات معه ، قال : فبتنا وبات في حالة ضيّقة ، فلما كان في السحر ، إذ بالرجل يضرب الباب ، فنظر الخدم من هو ، فإذا بالرجل قد قدم مفردا بنجيب « 1 » ، قد سبق عليه مراحل لئلا يبدر إلى عبّاد ما يكرهه ، قال : فيا لها ليلة متباينة الطرفين بويل أليل ، وجذل جزيل « 2 » ، ودخل الرجل فسلم على عباد وعلينا ، وخبّر أنه قد أتى بالمال وبدر لمشهد الأجل ، قال : وكان معن يكون أياما في دار الرحبة « 3 » ، وأياما في دار الإمارة في قبلة المسجد الجامع بصنعاء « 4 » ، وكان يحضر الصلوات ، قال : فصلى عباد معه ، فلما قضى صلاته تقدم إليه فصبّحه وأعلمه أن خادمه قدم ، وسأله أن يأذن له في تقديمه إليه ، فقال : أكرم مثواه حتى أبعث لك وله ثم بعث لها بعد ثلاثة أيام أو أربعة ، وأحضر المال وأحضر الشهود للبراءة ، فلما انقضت الشهادة ، قال معن : لا كنت أدون الثلاثة ! أما أنت ، يريد العامل ، فاقبض مالك فقد سوغتكه « 5 » ، وأما أنت يا عباد بن محمد فوفت ذمتك ، وقد أنفذت طلبك ، وأسعفت شفاعتك في كل ما طلبت فيه لك أو لغيرك ، فدعا له وشكر ، وقال : أيها الأمير ! إنّ هذا الرجل قد برّني ببرّ ولم أستحسن أن آخذ على ذمتي حباء ، وردّه يسمج بي ، وقد أحب من الأمير أن يقبله هو ومني المكافأة ، فقال معن : اقبل ونقبل ، فقال معن : وما هذا البرّ ؟ قال : أحمال وأعكام « 6 » لا أدري ما فيها . قال : فصيّر إليك من كل حمل عديله ، وإلينا عديله ، قال : وكره العامل أن يعود لمعن في عمل وأحب الانصراف ، فعرض عبّاد ضيعة له يقال له : الفغار « 7 » ،

--> ( 1 ) النجيب من الأناسي والنوق : ذو الحسب والفاضل النفيس . ( 2 ) الويل : حلول الشر والهلاك ، والأليل ، الشديد ، والجذل : الفرح ، والجزيل : الكثير . ( 3 ) الرحبة : قاع أفيح يشتمل على قرى وحروث ومزارع وأعناب وآبار ، يقع شمال صنعاء بمسافة ساعة ونصف ، وهو أحد حقول اليمن المشهورة ، ويسكنه بنو الحارث . وكان في سالف العصور غابة ومشتجر مدوحة الأشجار باسقة الأغصان ، نسبت إلى الرحبة بن الغوث من سبأ الصغرى ، كما يأتي في الجزء الثاني من الإكليل إن شاء اللّه . ولعل مكان دار الرحبة المذكورة هو ما يحمل اسم الروضة ، وقديما اسم المنظر . ( 4 ) دار الإمارة المذكورة في قبلة المسجد الجامع ، معروفة إلى هذا التاريخ ، وقد تحولت وغيّرها صروف الدهر إلى أشياء وأشياء كثيرة ، ومما نسمع عنها أنها قد تحولت إلى سوق ومنها إلى دار إمارة ، ثم إلى شيء آخر ، وهي اليوم حوانيت وعمارات ، فسبحان العزيز الباقي . ( 5 ) التسويغ : هو إباحة الشيء والإذن بامتلاكه . ( 6 ) الأعكام : كل شيء معلوم ، وهو المسدود المختوم ، وهي لغة دارجة . ( 7 ) موضع الغفار : لا يعرف اليوم مكانها بالضبط .